بقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار: أزمة الصحة تهدد الطبقة المتوسطة من المصرييين

المفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون السياسية والباحث في الشؤون السياسية الدولية

الوطن اليوم الإخبارية – 27 ديسمبر 2025

بقلم : حسن النجار 

بعد تفاعلٍ ملحوظٍ مع المقال السابق عن التعليم، جاءتني رسائل وتعليقاتٌ اتفقت – بلا استثناء تقريبًا – على أنَّ ملفَ «الصحة» لا يقل خطورةً، بل ربما يفوق «التعليمَ» قسوةً على الطبقة المتوسطة.

وقبل الدخولِ في هذا الملف الشائك، أودُّ أن أُسجّلَ خالصَ شكري وتقديري للكاتب الكبير والمفكر السياسي الاستاذ محمد أمين، لتنويهه بأهمية ما تتناوله هذه السلسلةُ عن الطبقة المتوسطة، وهو تنويهٌ أُقدّره كثيرًا لما يحملُه من دعمٍ معنويّ لقضيةٍ تمسُّ ملايين الأسر المصرية.

ومع استكمالِ ما بدأناه مع هذه الطبقةِ التي تُمثلُ العمودَ الفقريّ للدولة، وبعد الحديث عن قدراتها الشرائية الآن وبعدها التعليم، سندخل في قطاع مهم، في تقديري هو الفيصلُ سواء مع اتساعِ هذه الطبقةِ أو انكماشِها؛ ألا وهو قطاعُ الصحةِ وخدماته المتاحة.

الواقعُ الذي يلمسه ملايين المواطنين، مفادُه أنَّ الصحةَ أصبحَتْ العبءَ الأثقلَ على كاهلِ الطبقةِ المتوسطة؛ لأنه خلال سنوات قليلة انتقلت منظومةُ الرعايةِ الصحيةِ –

خاصةً ما يَخصُّ هذه الشريحة – من خدماتٍ مقبولةِ التكاليف نسبيًا، إلى سوقٍ مفتوحةٍ انفلتَتْ فيها الأسعارُ بوتيرةٍ لا علاقةَ لها بدُخُولِ المواطنين، ليرتقي القطاع عمليًّا فوق رؤوسِهم.

لقد سمحت الحكومةُ، عن قصد أو غير قصد، بأن يُصبحَ قطاعُ الصحةِ أحدَ أكثر القطاعاتِ تعرُّضًا للاستحواذات، خصوصًا من كياناتٍ خليجيةٍ، شملت مستشفياتٍ ومعاملَ تحاليل وصيدلياتٍ كانت مملوكةً لشركاتٍ مصرية تراعي قَدْرًا من التوازنِ بين الجودة والسعر.

وتشيرُ تقارير متعاقبةٌ لجهاز حماية المنافسة منذ عام ٢٠١٥ إلى أنَّ الرعايةَ الصحيةَ كانت في صدارةِ القطاعاتِ التي شهدَت موجاتِ استحواذٍ، وهو ما دفعَ رئيسَ الوزراءِ في ٢٠٢١ إلى تشكيل لجنةٍ تضمُ وزارتي الصحةِ والعدل، وجهاز حماية المنافسة، والرقابة المالية،

والبورصة؛ لوضعِ ضوابط لهذا المسار.. لكنّ ما جرى فعليًّا أنَّ سلاسل التسعير انفرطَتْ، فارتفعَتْ أسعارُ الكَشْفِ والتحاليل والأشعة والعلاج الدوائي إلى مستوياتٍ تجاوزَت قُدرةَ الطبقةِ المتوسطةِ.

تحليلٌ بسيطٌ قد يلتهمُ جزءًا مُعتَبرًا من الدَّخْل الشهريّ، وأسعارُ الأدوية تقفزُ أو تختفي من الأسواق، بينما يُترَك المريضُ وأسرتُه في رحلةِ بحثٍ شاقّةٍ بين الصيدليات.

وفي علاج الأمراض المزمنة، يصبحُ العبءُ مضاعفًا؛ إذ تتحوَّلُ الوَصفةُ الطبية إلى التزامٍ ماليّ دائمٍ لا يحتملُ الانقطاعَ، لتُصبحَ الجرعةُ قضيةَ «حياة أو موت».

ومع ارتفاع التكلفة، يزدادُ الضغطُ على المستشفيات الحكومية، التي رغم بعض التطوير، تعاني ما يشبه «فقرَ الدم» المؤسسيَّ: «نقصَ أَسِرّة مقارنةً بعدد المرضى، تراجُعَ نِسب الأطباء إلى عدد الأسرّة، وتدهور خدماتٍ في مستشفيات مركزية وعامة».

ويزيدُ المشهدُ قتامةً باستمرار هجرة الأطباء المصريين إلى الخارج، بحثًا عن ظروفِ عمل وأجورٍ أفضل، ما يُفرِغُ النظامَ الصحيَّ من خِبراتِه الشابَّة.

ففي الطوارئ، تبدأ المعاناةُ من سيارة الإسعاف نفسِها، التي قد تقترحُ مستشفى بعينَه، أو تَعرِضُ «خدمةً خاصةً» لتغيير الوِجهةِ مقابل مبلغٍ إضافي بشكلٍ رسمي، مع وعدٍ بالانتظار بالساعة..

في مشهدٍ يُعيدُ إلى الأذهان إيفيه عادل إمام الشهير: «الساعة بخمسة جنيه والحسابة بتحسب».. ثم تأتي رحلةُ الزحام والعشوائية، ومطالباتٍ غير معلنة بـ«الإكراميات»، للحصول على الحد الأدنى من الخدمة.

ولا يمكنُ تجاهلُ أزماتٍ أخرى تَمسُّ الأسرةَ المتوسطةَ مباشرةً؛ من ارتفاعِ أسعارِ ألبان الأطفال، إلى صعوبةِ الحصولِ على أدويةٍ حيوية، لتذوبَ الفوارقُ الطبقيةُ أمام المرض.

الصحةُ مثل التعليم، حقٌّ دستوريّ، «مسطورةٌ» في موادِّه، لكنها تحتاجُ إلى أن تكون «مستورةً» على أرض الواقع،

لا على الورق فقط. مجتمعٌ مريضٌ لا يمكن أن يكونَ مُنتِجًا، وطبقةٌ متوسطةٌ منهكةٌ صحيًّا لا تستطيع حَمْلَ عِبء الاستقرار. وإصلاحُ هذا الملفِ لم يعد رفاهيةً، بل ضرورةً وطنيةً عاجلةً.

حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟ 

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى